استراتيجية "قوت ولا تموت" …!

نظرة مستقبلية حول استراتيجيات التدخل تجاه حالة الانكشاف وانعدام الامن الغذائي في قطاع غزة

Resilient Development بين استراتيجية “تنمية تعزيز الصمود والمنعة” واستراتيجية “قوت ولا تموت” Feed to Survive
مقدمة من
احمد الصوراني (خبير تنموي )
تقديم عام       9998573859
وضعت ظروف ما بعد الحرب الاخيرة قطاع غزة امام تحديات وخيارات صعبة، يأتي على راسها تحدي اعادة تأهيل وبناء القطاعات الاقتصادية واعمار البيوت والمنشآت المدمرة وايجاد  سبل العيش للمتضررين من الحرب، وفي هذا الصدد نذكر اهمية فهم وتفكيك منظومة علاقات القوة والسيطرة على حركة المعابر والحدود ومناطق العزل و حركة البضائع ومواد وادوات الاعمار المطلوبة على المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة، وهذا مرهون غالبا بمجمل تطورات واثار العملية السياسية ومساراتها المعقدة والمحبطة داخليا وخارجيا، ومدى فاعلية الضغط والمناصرة اقليميا ودوليا لتعديل تلك المسارات بما يخدم عملية اعادة الاعمار ومصالح الفئات المتضررة بفعل الحرب، وخاصة تلك التي مازالت تعاني درجات عالية من حالات العوز والانكشاف الاقتصادي لسبل العيش.
حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ، فقد بلغت نسبة العاملين في الضفة الغربية منتصف العام الماضي 2014 حوالي 81% من مجموع القوى العاملة، ما يعادل 632367 عامل، مقابل نسبة بطالة لا تزيد عن 19% ما يعادل 148333 عاطل عن العمل، اما في قطاع غزة ،فقد استمرت نسبة العاملين فيه حتى منتصف عام 2014 أو بداية الحرب عليه أول شهر تموز/يوليو 2014 عند نسبة 67.4% عاملين بالفعل، أي ما يعادل 274720 عامل، مقابل نسبة 32.6% عاطلين عن العمل، ما يعادل 132876 عاطل عن العمل في قطاع غزة حتى منتصف عام 2014.
وفي ضوء نتائج الحرب على القطاع التي امتدت منذ صباح يوم 8/7/2014 واستمرت لمدة 51 يوماً حتى تاريخ 28/8/2014 حيث تم تدمير أكثر من 150 مصنع تدميراً كلياً وجزئياً وأكثر من 200 منشأة زراعية وأكثر من عشرة ألاف منزل ومنشأة سكنية ومحلات تجارية وورش صغيرة، الأمر الذي ادى إلى شلل الحياة الاقتصادية بعد أن تحول قطاع غزة إلى منطقة منكوبة، وهذا بدوره أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة في قطاع غزة منذ اول آب 2014 حتى تاريخ اعداد هذه الورقة إلى حوالي 50% من مجموع القوى العاملة البالغة 427 ألف شخص، ما يعادل 213,500 عاطل عن العمل ينتظرون انهاء الحصار واستعادة النشاط الاقتصادي بكل قطاعاته الانتاجية والخدمية ارتباطاً بعملية اعادة الاعمار المرهونة  بالدعم المالي من المانحين الذين وعدوا عبر مؤتمر القاهرة 12/10/2014 ، بتقديم الأموال اللازمة لتنفيذ خطة الاعمار.
وبالتالي فان وجود ما يقرب من 213,500  عاطل عن العمل في قطاع غزة ، واذا افترضنا – ضمن الحد الادنى – ان كل منهم يعيل اربعه اشخاص ، فهذا يعني ويؤشر الى حقيقة ان هناك ما يقرب من 854,000 مواطن (49%) من اجمالي سكان قطاع غزة يعانون الفقر وانعدام الامن الغذائي ، أي انهم يعيشون تحت مستوى خط الفقر المدقع( اقل من دولارين/اليوم) مقابل حوالى 40% (700) ألف نسمة يعيشون عند خط الفقر. ولا بد من الاشارة هنا الى ان 70% من العاطلين عن العمل في القطاع هم من فئة الشباب الخريجين من الجامعات والمعاهد والكليات المتوسطة والذين يتطلعون لسبل عيش امنة وكريمة؟!
أما بالنسبة لعدد العاملين بالفعل في قطاع غزة في اللحظة الراهنة،  فيبلغ  213,500 مواطن موزعين كالاتي:

الفئة ومجال العمل العدد
موظفين يتلقون رواتبهم من رام الله 78,000  موظف
موظفين يتلقون رواتبهم من غزة 40,000 موظف
عاملين في قطاع الانتاج الزراعي 20,000  عامل
العاملين في قطاع الانتاج الصناعي 17,000 عامل
مؤسسات غير حكومية (محلية ودولية) 14,000 مستخدم
قطاع الخدمات والانشاءات وعمال السوق غير المنظم من الباعة المتجولين وغيرهم. 44,500 عامل
الاجمالي العام للعاملين الفعليين في قطاع غزة 213,500

الزراعة والامن الغذائي ….التحديات والاستراتيجيات المجتمعية والمؤسسية للتكيف الايجابي
من الصعب الحديث عن مسالة الامن الغذائي في قطاع غزة دون النظر الى اوضاع وتحديات القطاع الزراعي بأبعاده المحلية والوطنية ارتباطا بوحدة الاراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي هذا الجانب ، أشير الى زيادة نسبة الاراضي الزراعية في قطاع غزة على أثر الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة عام 2005  ، حيث ازدادت المساحة الزراعية من 170,000 دونم الى 192,000 دونم بعد تفكيك وانهاء الاستيطان الاسرائيلي في قطاع غزة، لكن وعلى الرغم من هذا الاتساع في المساحة الزراعية الا أن السنوات الاخيرة شهدت تراجعا مضطردا في الرقعة الزراعية لأسباب متعددة من اهمها، تسارع النمو السكاني (3.5%) ، تفتت الملكيات الزراعية (1-3 دونمات للمزارع الواحد)، التمدد العمراني الحضري  وتزايد الطلب على شراء الاراضي لبناء المساكن، الى جانب اجراءات الجيش الاسرائيلي بإقامة المنطقة العازلة على طول حدود قطاع غزة مع اسرائيل    ( حوالي 17,000 دونم) ، وكل هذه الاسباب  أدت الى تراجع المساحة الزراعية التي وصلت الى اقل من 100,000 دونم الان، الأمر الذي أدى الى تراجع  نسبة الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات الزراعية الى حوالي 50% علاوة على التراجع في الانتاج الحيواني .
وفي ضوء ما تقدم ، كان لا بد من غياب المشهد الزراعي الريفي كليا لصالح مشهد ونمط زراعي حضري وشبه حضري مشوه يتطلب تخطيطا ونهجا استراتيجيا جديدا نحو ما يعرف ب”نهج التنمية الزراعية الحضرية” كاستراتيجية واقعية للتكيف الايجابي في مواجهة حالات الانكشاف وانعدام الامن الغذائي  وتعزيز منعة نظام السوق المحلي في منطقة تتميز بأزماتها الممتدة كقطاع غزة .
أما بالنسبة لقطاع الصيد البحري، فهناك حوالي 3600 صياد مع اسرهم يعانون من حالات الضرر والانكشاف غير المسبوق من اجل تأمين سبل العيش البالغة الصعوبة أصلا ، اذ أنهم ما زالوا محاصرين ضمن مساحة صيد لا تزيد عن 3 اميال بحرية رغم ان اتفاق اوسلو اقر 20 ميل بحري، كما ان الاتفاقيات الاخيرة اشارت الى 6 اميال قابلة للتوسع !، الا ان الواقع الذي يفرضه الاحتلال الاسرائيلي  ما زال بعيدا عن كل تلك الالتزامات . وجدير ذكره ان الانتاج السنوي لقطاع الصيد في غزة يتراوح ما بين 2000 الى 2500 طن، بينما الحاجة السنوية الفعلية تصل الى اكثر من 8000 طن سنويا ؟!. وفي مواجهة تلك الاوضاع المعقدة تمكن عدد من الصيادين وبالتعاون مع المزارعين المبادرة بتطوير استراتيجية تكيف ايجابية  ناجحة ومشجعة لإيجاد بدائل للإنتاج السمكي خارج مياه البحر عبر المشاريع الخاصة بالاستزراع السمكي.
لمحة سريعة عن الاوضاع المائية والبيئية
حول هذه الاوضاع المائية والبيئية المتردية في قطاع غزة ، أشير الى العديد من التقارير الوطنية والدولية التي تناولت موضوع التزايد السكاني خلال العقدين الاخيرين وأثره على زيادة معدلات الاستهلاك المائي من الخزان الجوفي بحيث باتت نسبة الاستهلاك للأغراض المنزلية والزراعية والصناعة والخدمات …الخ  حوالي 160 مليون متر مكعب سنويا  مقابل 80 مليون متر مكعب تغذي الخزان الجوفي من مياه الامطار، وهي المصدر الطبيعي الوحيد، مما يعني ان قطاع غزة     ” حسب نظرية الاواني المستطرقة” اصبح يعوم على خزان جوفي من مياه البحر المالحة والمياه العادمة  بنسبه  تزيد عن 90% منه ، حيث باتت مياه المخزون راهنا لا تصلح للاستخدام الادمي  ، مما يهدد بمزيد من تفاقم الازمات والمخاطر الصحية وتمدد مساحة الانكشاف الاقتصادي والزراعي والبيئي. وفي مثل هذه الاوضاع من شح المياه العذبة الصالحة للشرب فان نسبة كبيرة من المواطنين ( حوالي 70% يضطرون لشراء المياه لأغراض الشرب والاستخدام المنزلي  الامر الذي ادى الى زيادة الاعباء العائلية لألاف الأسر ، ناهيكم عن ان الاسر الفقيرة جدا لا تستطيع شراء المياه العذبة وتضطر الى استخدام المياه المتوفرة. وفي هذا السياق  أود التذكير بالمعايير العالمية التي تؤكد على ان حد الفقر المائي 500 متر مكعب للفرد سنويا ، ما يعني 1.3 متر مكعب يوميا ، لكن وللأسف فان هذا المعيار غير متحقق في اوضاع قطاع غزة حيث تقل حصة الفرد اليومية بكثير عن هذا المعيار. وتبرز هنا اهمية الاشارة للمبادرات المجتمعية المحلية لاستراتيجيات التكيف الايجابي مثل بعض مشاريع حصاد مياه الامطار(من اسطح الدفيئات الزراعية) ومعالجة المياه الرمادية، ومياه الصرف الصحي للاستخدامات الزراعية ولو بشكل محدود. الا ان مشكلة توفير مياه صالحة للشرب تبقى على راس الاولويات مما يتطلب تسريع انشاء محطات لتحلية مياه البحر بما يضمن تأمين 80 مليون متر مكعب سنويا منها لتغطية حاجة سكان القطاع من المياه العذبة سنويا.
اي نهج للتدخل؟!
هذا يأخذنا بطبيعة الحال الى تحدي اخر يتعلق باستراتيجيات نهج الاستجابة والتدخل (المؤسسي والبرامجي) المتوقع تجاه عمليات الاغاثة والانعاش واعادة الاعمار والذي من المأمول منه (منا جميعا ) العمل والضغط باتجاه ان يكون متكاملا ومعززا لمبادرات واستراتيجيات التكيف الايجابي التي ابتكرها المجتمع المحلي ومؤسساته الاغاثية والتنموية والتي كانت في بعض الاحيان اقرب ما يكون الى نهج التنمية القائم على تعزيز عوامل الصمود والمنعة امام حالات الانكشاف والازمات الشديدة Resilient Development Approach وخصوصا في ابتكار البدائل الاقتصادية والاجتماعية والنشاط الطوعي المساند في ظل الحصار وخلال الحرب الاخيرة وبعدها .
ان سكان قطاع غزة باختصار يتوقعون نهج استجابة وتدخل مختلف هذه المرة، نهج يحركه منظور تنموي استراتيجي يعزز عوامل الصمود والمنعةresilience  والاعتماد على الذات والموارد المتاحة -على قلتها وصعوبة توفرها- وقت الازمات سواء بفعل الاحتلال او بفعل عوامل الطبيعة، نهج تنموي مجتمعي تشاركي يحترم التجارب الموجودة ويبني عليها ويمكنها، لا يلغيها ولا يقصيها ، نهج يكون فيه الصوت الاول والاخير للمواطن الفلسطيني، مواطن يتم التعامل معه ليس بوصفه المتضرر الفقير المحتاج، اوالمنتظر للمساعدات “الاستهلاكية” ومشاريع البطالة والاغاثة المؤقتة (على اهميتها القصوى في اوقات محددة)، ما يتوقعه المواطن المتضرر في قطاع غزة وفلسطين عموما هو تدخلات برامجية متكاملة ومكملة للجهد المؤسسي المحلي تقوم على مبادئ الشراكة المؤسسية والتنموية الكاملة مع المؤسسات العربية والاقليمية والدولية والتي تحترم وتعزز حقوق وكرامة الانسان الفلسطيني وسيادته على مصادره  وموارده وتضغط وتناصر انعتاقه من الاحتلال .
وهنا لابد وان نستذكر احد اهم الدروس التي عايشناها في غزة، والتي تمثلت في تمكن مجتمعنا الفلسطيني في ظل الحصار والحرب من تعزيز وتجذير استراتيجيات للتكيف والتضامن المجتمعي الايجابي، ومن هذه الامثلة الدور الذي لعبته الحدائق المنزلية في توفير الامن الغذائي للكثير من الاسر الفقيرة, ومثالا اخرا عندما فتحت مئات بل الاف الاسر ابوابها (حركة اجتماعية عفوية) لاستضافة الاف الاسر المشردة (خلال وبعد الحرب) وتكفلتها بمعظم احتياجاتها الاساسية من المأكل والمشرب ، ووفرت لها الدعم المادي والمعنوي الكريم دون اي مقابل، فماذا لو قمنا بحساب تكاليف ذلك الجهد المجتمعي التضامني وارادة الصمود والتكيف الايجابي وقت الازمة، هذا هو الشعب الفلسطيني وهذه هي ثقافته المجتمعية والوطنية المرتبطة بمفهوم التكافل الاجتماعي ، المطلوب منا جميعا العمل على تعزيزها والبناء عليها مما سيسهم في تقليل المخاطر وقت الازمات.
لكن وبكل موضوعية، اود التأكيد ان أي حديث عن تراجع وانكفاء نسبة الاعتماد على الذات في تعزيز وتحقيق الامن الغذائي في قطاع غزة لن يتم حله الا عبر التكامل الاقتصادي عموما والزراعي خصوصا بين قطاع غزة والضفة الغربية عبر منطق الولاية والسيادة الجغرافية الواحدة من جهة وعبر التأكيد على ضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة حسب قرارات الشرعية الدولية على اراضي عام 1967 وعاصمتها القدس من جهة ثانية. حيث ان الضفة الغربية والتي تبلغ مساحتها الاجمالية 5800 كم2  منها حوالي 1,600,000 دونم صالحة للزراعة، اضافة الى حوالي مليون دونم صالحة للزراعة الرعوية والتي يمكن ان تغطي احتياجاتنا من اللحوم ودعم قطاع الانتاج الحيواني ومنتجاته. ان مجمل تلك المساحات وفي حال استغلالها وتخطيطها سياديا يمكن ان تغطي احتياجات الضفة الغربية وقطاع غزة من المنتجات الزراعية، كما ان تلك المساحات الشاسعة وحدها يمكن ان تشكل سلة غذائية متكاملة توفر شبكة امان مستدامة لمنظومة الامن الغذائي الفلسطيني  المستقبلي.
التوصيات
·        تسريع الخطى لتنفيذ خطة اعادة التأهيل والاعمار مع الاخذ بعين الاعتبار التجارب والخبرات والموارد المحلية (مجتمعيا ومؤسسيا) خصوصا فيما يتعلق بإعادة تأهيل واعمار الاراضي والمنشئات وسبل العيش الزراعية بجوانبها المتعددة اعتمادا على نهج “التنمية الزراعية الحضرية المعززة لمنعة واستمرار المنتجين والمصنعين والاسواق المحلية في اطار خطة وطنية فلسطينية شاملة .
·        تسهيل تنمية قدرات الجهات الفاعلة والمجتمع المحلي ومؤسساته في مجال تنمية سلاسل القيمة المضافة وتعزيز نهج ” الاسواق تعمل من اجل الفقراءM4P ” .
·        الاهتمام ليس فقط بالاحتياجات الانية والبعيدة  للفئات المتضررة والمنكشفة بل ايضا الاهتمام بقدراتهم ومصادرهم وخبراتهم  ومبادراتهم المتراكمة والبناء عليها دون استثنائها، مما سيسهم في تعزيز الملكية والمسؤولية المجتمعية والمؤسسية في عملية اعادة الاعمار.
·        ضرورة ان تهتم المؤسسات والجهات الدولية والاقليمية والعربية الممولة والمنفذة للمشاريع والبرامج ببناء شراكات تنموية حقيقية تعطي المساحة الاكبر فيها للدور والفعل والصوت المحلي عبر المشاركة الفاعلة والحقيقية في عمليات تخطيط ورقابة وتقييم مجمل التدخلات المتوقعة (الدور التسهيلي المساند).
·        اهمية تنمية قدرات المجتمعات المحلية المتضررة والمنكشفة ومؤسساتها المحلية في مجالات مثل : التخطيط  للجهوزية لمراحل ما قبل الازمات ، التقليل من مخاطر الازمات، ادارة الازمات وحل النزاعات ، حتى تكون جزءا هاما ومكملا في مشاريع وبرامج التدخل المتوقعة
·        الاهتمام بقطاعات المشاريع الصغيرة والصغيرة جدا والمبادرة بالمزيد من برامج المراكز التقنية الحاضنة لابتكارات ومبادرات الشباب الخريجين (من كلا الجنسين)
·        في اطار البرامج والمشاريع المتوقعة هناك حاجة للاهتمام بسد الفجوات المعرفية والبحثية فيما بين الجامعات ومراكز الابحاث  والمجتمع ومؤسساته المختلفة.
·        تعزيز وتسهيل ودعم دور مؤسسات القطاع الخاص للدعم المالي وخلق اليات التواصل والتكامل مع برامج ومشاريع الامن الغذائي  الخاصة بالقطاع الزراعي.
·        تسهيل وتشجيع ادخال وتطوير مبادرات ومشاريع التكنولوجيا الزراعية الحديثة والتي تناسب الواقع الزراعي الحضري في غزة (في مجالات استخدامات الاراضي الزراعية- تنويع المصادر والمحاصيل الربحية-البدائل الزراعية- التسويق والتصنيع الزراعي-ادارة مصادر المياه والمياه العادمة-تطوير منظومة الارشاد الزراعي- رقابة الجودة والانتاج الزراعي البيئي- البحث والتعليم الزراعي الحضري- الطاقة ومصادر الطاقة البديلة…الخ)
·        تشجيع وتسهيل المزيد من مبادرات التشبيك والتنسيق في مجال تبادل الخبرات والتعاون الاقليمي والعالمي عبر شبكات وملتقيات واتحادات الزراعة والامن الغذائي .
·        تسهيل ودعم انشاء الصندوق الوطني السيادي الفلسطيني  للتخفيف من حدة الازمات بفعل الطبيعة والانسان.
·        تسهيل ودعم مبادرات وبرامج الضغط والمناصرة والحماية (محليا وعربيا واقليميا ودوليا) للحقوق الفلسطينية فيما يتعلق بالحق بالوصول الى المصادر الطبيعية وحق استخدامها بما يخدم ويعزز توجهات الامن الغذائي الفلسطيني وخلق المزيد من فرص العمل الحقيقية والاقتصادية المستدامة خصوصا للشباب والشابات.
·        الاهتمام بتعزيز دور المرأة المزارعة/المنتجة وجعلها في قلب منظومة برامج ومشاريع الامن الغذائي مع ضرورة الاعتراف بدورها الكبير في انشطة الامن الغذائي الزراعي في الحقل كما في المنزل والاسرة، لم لا… وهي تتحمل الاعباء الكبيرة والمعاناة قبل وخلال وبعد عمليات الانتاج الزراعي الفلسطيني بنسبة تزيد عن 50% وخصوصا في ظروف الازمات الممتدة.

 

الزراعة في المدن العربية لتحقيق الأمن الغذائي

سلوى طعمه طوق وشادي حمادة
يتعزز دور الزراعة في المناطق الحضرية حول العالم، في مواجهة الفقر المتزايد في المدن وانعدام الأمن الغذائي وشح الموارد الطبيعية. ويقدر معدل سكان العالم الذين يعيشون في مناطق حضرية بنحو 51 في المئة، وتزداد أعداد فقراء المدن سريعاً.
ومن المتوقع أن يتضاعف عدد سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحلول عام 2050 ليصل إلى أكثر من 650 مليون نسمة. وتعاني المنطقة نسبة بطالة مرتفعة وفي ازدياد، فيما يواجه الإنتاج الزراعي قيوداً حادة في الموارد الطبيعية. إضافة إلى ذلك، تعتبر المنطقة الأكثر اعتماداً على الواردات الغذائية في العالم، إذ تستورد 50 في المئة من الاستهلاك الغذائي الإقليمي.d944b14353b74aa683f72bad8e2544f1
الوضع الحضري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو اليوم تحت وطأة ضغط شديد، نتيجة لحضرنة سريعة جداً خلال السنين العشر المنصرمة. ومن أصل 380 مليون نسمة، يعيش 200 مليون في مناطق حضرية. وتشير توقعات الأمم المتحدة الى أن عدد سكان المنطقة سيصل الى 430 مليوناً بحلول عام 2020، يعيش 280 مليوناً منهم في المدن. وينخرط 6 في المئة من السكان في الزراعة الحضرية، مقارنة بمعدل 2 في المئة في مناطق أخرى من العالم. والزراعة الحضرية مصدر مهم للدخل والادخار، ويمكن أن يكون لها تأثير كبير في الاقتصاد المحلي.
ويعتبر الإنتاج الزراعي داخل المدن وحولها نشاطاً قديماً في المنطقة. وعلى رغم ازدياد الطلب على الأراضي والمياه لتلبية النشاطات الحضرية، يشيع إنتاج المحاصيل والمواشي في مدن المنطقة. وما زالت هناك مساحات كبيرة من الأراضي الخصبة غير المبنية داخل المدن وحولها، وهي تبقى خلواً من التعمير لسنوات عدة قبل تنفيذ مشاريع البناء، ما يوفر مصدراً هاماً للدخل وفرص العمل.

باب رزق لفقراء المدن
مثال على مكان تُحدث فيه الزراعة الحضرية تأثيراً هو عمّان. ففي عاصمة الأردن، يبلغ معدل الفقر 8 في المئة، ومعدل البطالة 13 في المئة. ويعيش نحو 196 ألف شخص في فقر، يمثلون 10 في المئة من مجموع فقراء الأردن، في حين يبلغ عدد الأشخاص غير الآمنين غذائياً 2,4 في المئة. ويمكن الزراعة الحضرية أن تؤثر إيجاباً في سبل معيشة فقراء عمان، لأن مساحة كبيرة من الأراضي ما زالت تُستغل زراعياً (42 في المئة من إجمالي مساحة الأراضي المتوافرة كانت قيد الاستعمال الزراعي وفقاً لمديرية الإحصاءات، 2002). وفي صنعاء، عاصمة اليمن، كان يتوافر 9300 هكتار من الأراضي الزراعية عام 2007. وهناك نحو 100 من حدائق المساجد و«المقاشم»، أي الحدائق التراثية وسط التجمعات السكنية، ضمن السور المحصن لصنعاء القديمة المصنفة موقعاً للتراث العالمي لدى اليونسكو. ويُروى كثير من هذه الحدائق بالمياه الرمادية المعالجة التي تنتجها المساجد.
ثمة قيود متعددة تحدّ من تطوير زراعة حضرية مستدامة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد تجاهلت السياسات الحضرية وأنظمة تصنيف الأراضي بشكل خاص امكانات الزراعة الحضرية كمصدر غذاء وباب رزق لفقراء المدن. وعلى رغم قدرتها على تخفيف وطأة الفقر، ما زال ينقصها اعتراف من المخططين وصانعي السياسة. ولا وجود يذكر للأبحاث والإرشاد الزراعي والموارد والسياسات والاستراتيجيات المتعلقة بالأراضي الزراعية القائمة وغيرها من الأراضي الخصبة في المدن. لذلك، تعتبر السياسات والمؤسسات الإصلاحية هامة لتأمين الغذاء وتخفيف وطأة الفقر.
وتهدف الاستراتيجية الشاملة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما حددها المعهد الدولي لأبحاث سياسات الغذاء، إلى تعزيز الحوار والشراكات وشبكات الاتصال بين الأفراد والمؤسسات المنخرطة في الأبحاث، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والحكومات. وهي تركز على الحوكمة والسياسات المتعلقة بالغذاء والتغذية والزراعة، وعلى بناء المؤسسات، كأحد المحاور التسعة في الاستراتيجية. لذلك، فإن تطوير السياسات وتخطيط العمل في ما يتعلق بالزراعة الحضرية يجب أن يشملا مختلف القطاعات والاختصاصات. وإضافة الى ذلك، على المزارعين والمنظمات الانخراط في عملية التخطيط الحضري الاستراتيجي وتحليل الوضع وتحديد الأولويات. هذه العمليات الاستشارية ستجعل نتائج تطوير السياسات وتخطيط الأداء شاملة ومقبولة ومستدامة.

نموذجان في عمّان وصنعاء
وحدة البيئة والتنمية المستدامة (ESDU) في الجامعة الأميركية في بيروت هي المركز السابع لشبكة مراكز الموارد المعنية بالزراعة الحضرية والأمن الغذائي (RUAF) العاملة في منطقة الشرق الأوسط. وقد أطلقت خطة تشاركية متعددة الجهات لصوغ السياسات وتخطيط العمل (MPAP)، حيث تتعاون السلطات الحضرية مع المواطنين والمزارعين والمنظمات المدنية وشركات القطاع الخاص والهيئات الحكومية في إعداد وتنفيذ وتقويم السياسات وخطط العمل. وقد دعم البرنامج دمج الزراعة الحضرية في السياسات والتخطيط المدني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خصوصاً في عمّان وصنعاء منذ عام 2007 عندما أجرى دراسة استكشافية حول الزراعة الحضرية.
ودربت وحدة البيئة والتنمية المستدامة فرقاً لإجراء الدراسة وتطوير أجندة استراتيجية للمدينة (CSA) وتأسيس منتدى متعدد الجهات المعنية (MSF)، بهدف دعم التنمية المستدامة للزراعة الحضرية. وقادت فريق MPAP في كل مدينة وحدة تمثل الإدارات البلدية والمزارعين والجامعة.
في كلتا المدينتين، تم تحديد الخطوط الرئيسة لعمل الأجندة الاستراتيجية للمدينة، وتحديداً: الوصول الى موارد مائية موثوقة ومنخفضة الكلفة، موارد بشرية تستهدف التعليم وبناء المهارات والدعم من خلال المدخلات الضرورية، التشريع من مؤسسات حكومية محلية وإقليمية ووطنية، التسويق الفعال، الحصول على التسليف وعلى الدعم والنصح المتعلقين بالتسليف. ووافق أعضاء منتدى الجهات المعنية على أن يكونوا مسؤولين عن تنفيذ الأجندة الاستراتيجية للمدينة، من خلال حشد المساعدة التقنية والدعم العيني والتمويل.
وتوجت جهودهم بإشراك السلطات العامة في دعم الزراعة الحضرية. ففي عمّان، بادرت بلدية عمّان الكبرى إلى إقامة مكتب متخصص بالزراعة الحضرية كُرست له موارد بشرية ومالية، ما يوفر للأجندة إمكانات الاستدامة والمأســسة. كما تبنت البلدية وجهات معــنية ومؤثرة أخرى الأجندة الاستراتيجية كجزء من استراتيجية المدينة لتطوير الزراعة عام 2009.
وفي موازاة ذلك، تم تنفيذ مشاريع تجريبية. فقامت البلدية بإنشاء حدائق على السطوح في أحياء فقيرة. ونفذت وحدة البيئة والتنمية المستدامة مشروعاً تجريبياً مع جمعية تعاونية نسائية محلية لتحسين سلسلة إنتاج محاصيل مختارة مثل الخضار الورقية. وتم الاعتراف بالمزارعين الحضريين من جانب مؤسسات تسليف زراعي، ما أتاح لهم فرصاً جديدة لتسليفات صغيرة. وقدمت إدارة الإرشاد الزراعي في وزارة الزراعة خدمات التدريب والدعم العيني الى المنتجين الحضريين. وحققت مأسسة الزراعة الحضرية نجاحاً إضافياً من خلال منتدى الجهات المعنية المتعددة.
وتدخل معهد عمّان التابع للبلدية لدى مكتب الزراعة الحضرية في البلدية لإدخال الزراعة الحضرية كجزء رئيس من مبادرات التخضير وإعادة تصنيف الأراضي.
وفي صنعاء، أطلقت الجمعية اليمنية للزراعة والتنمية المستدامة (YASAD)، خطة تشاركية مماثلة بالتعاون مع بلدية صنعاء ممثلة بالإدارة العامة للحدائق ومكتب الزراعة. وهما تعملان على إعادة صوغ القوانين والأنظمة للحفاظ على النشاطات الزراعية وتعزيز الوصول الى الأراضي، خصوصاً تلك المخصصة للرعي.
لقد كانت مقاربة الجهات المعنية المتعددة فعالة في ترويج الزراعة الحضرية في عمّان وصنعاء. وتشكل الدروس المستفادة من هاتين التجربتين معارف قيمة لمدن أخرى حيث يمكن إطلاق العنان لإمكانات الزراعة الحضرية.

* من وحدة البيئة والتنمية المستدامة في كلية العلوم الزراعية والغذائية في الجامعة الأميركية في بيروت.

إطعام العالم في عام 2050

التوقعات بالنسبة إلى الزراعة

          خلال النصف الأول من القرن الحالي، وبموازاة النمو السكاني العالمي إلى 9 مليارات نسمة تقريباً، سوف يزداد الطلب العالمي على الأغذية والعلف والألياف بمقدار الضعف تقريباً في حين أنّه يرجّح أيضاً حدوث ازدياد مطرد في استخدام المحاصيل لإنتاج الطاقة الحيوية ولأغراض صناعية أخرى. وبذلك، سيمارس الطلب الجديد والمعتاد على الإنتاج الزراعي ضغطاً متزايداً على الموارد الزراعية الشحيحة أصلاً. وفي حين سيتعيّن على الزراعة أن تتنافس مع المستوطنات الحضرية المتسّعة للحصول على الأراضي والمياه، سيجدر بها أيضاً العمل على جبهات رئيسية أخرى هي: التكيّف مع تغير المناخ والمساهمة في التخفيف من وطأة تأثيراته، والمساعدة على الحفاظ على الموائل الطبيعية، وحماية الأنواع المهددة بالخطر والمحافظة على مستوى عالٍ من التنوع البيولوجي. وكما لو أنّ هذه التحديات لم تكن كافية لوحدها، سيعيش في معظم المناطق عدد أقلّ من السكان في المناطق الريفية وسيكون عدد أقلّ أكثر منهم من المزارعين. وسيكونون بحاجة إلى أنواع جديدة من التكنولوجيا لزراعة كمّ أكبر من المحاصيل باستخدام مساحة أصغر من الأراضي وقدر أقلّ من اليد العاملة.

المشاكل التي تستدعي حلاًb9b2dfec04

          يطرح هذا التصور عدداً من التساؤلات الهامة. فهل سيكون باستطاعتنا مثلاً إنتاج ما يكفي من غذاء بأسعار معقولة أم أنّ ارتفاع أسعار الأغذية سيُغرق عدداً أكبر من سكان العالم في براثن الفقر والجوع؟ كم هي قدرتنا الاحتياطية من حيث الأراضي والمياه لإطعام العالم في عام 2050؟ ما هي أنواع التكنولوجيا الجديدة التي يمكن أن تساعدنا على استخدام الموارد الشحيحة بقدر أكبر من الفعالية وعلى زيادة غلال المحاصيل والثروة الحيوانية وجعلها مستقرّة؟ هل إننا نستثمر بما يكفي في البحوث والتطوير من أجل تحقيق الإنجازات في الوقت المطلوب؟ هل ستتاح الأنواع الجديدة من التكنولوجيا لمن هم أكثر حاجة إليها أي الفقراء؟ كم يجدر بنا الاستثمار لمساعدة الزراعة على التكيّف مع تغير المناخ وكم يمكن للزراعة أن تساهم في التخفيف من الأحداث المناخية المتطرّفة؟

ضرورة إطعام ثُلثٍ إضافيّ من البشريّة بحلول عام 2050

23 سبتمبر/أيلول 2009، روما – أوردت ورقة عمل مطروحة للنقاشأصدرتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “FAO” اليوم أن الزراعة في العالم ستواجِه تحدياتٍ رئيسية في غضون العقود المقبلة منها ضرورة زيادة إنتاج الغذاء بمقدار 70 بالمائة لتلبية احتياجات 2.3 مليار شخص إضافيّ بحلول عام 2050، وفي الوقت ذاته مواصلة جهود التغلُّب على الفقر والجوع، وتحقيق استخدامٍ أعلى كفاءةً للموارد الطبيعية النادرة، والتكيُّف لتغيُّر المناخ.365b821c37
وإذ تمضي المنظمة “الفاو” بتنظيم  منتدى رفيع المستوى للخبراءبمقرّها في العاصمة الإيطالية خلال 12- 13 اكتوبر/تشرين الأول 2009 لمناقشة استراتيجيات كيفيّة “إطعام العالم عام 2050″، يَجمع هذا المنتدى بين نحو 300 خبير بارز من مؤسسات القطاع الخاصّ، والمنظمات غير الحكومية، والهيئات الأكاديمية من كِلا الُبلدان النامية والصناعية. والمُزمع أن يمهّد هذا الاجتماع الموسَّع للخبراء الدوليين الطريق لمؤتمر القمة العالمي للأمن الغذائي، المقرَّر أن يُعقد في روما خلال الفترة 16- 18 نوفمبر/تشرين الثاني2009 .
تفاؤل مَشوبٌ بالحَذر

يقول الدكتور حافظ غانم، المدير العام المساعد لدى المنظمة “فاو”، أن “المنظمة تشعر بتفاؤل مَشوبٌ بالحَذر فيما يخص قُدرة العالم الكامنة على تلبية احتياجاته الغذائية بحلول عام2050 “. غير أن خبير المنظمة أشار في الوقت ذاته إلى أن إطعام كل شخص في العالم في ذاك الوقت، لن يكون تلقائيّاً…  وأن من المتعيَّن مواجهة العديد من التحديّات التي لا يُستهان بها.
وأوضح الدكتور حافظ غانم أن ثمة حاجة إلى إطارٍ اجتماعي اقتصادي سليم لمعالجة الاختلالات وعدم التكافؤ، لضمان أن يملك كلّ شخص في العالم قدرة تحصيل ما يحتاجه من غذاء وعلى أن يُراعي سياق إنتاج الغذاء الحدّ من الفقر، ويضع في اعتباره قيود الموراد الطبيعية. وتكشف التقديرات العالمية عن أنه ما لم تُتَخَذ إجراءاتٌ هادفة وتُخصَّص استثماراتٌ كافية لهذه الغايات، فإن ما يصل إلى 370 مليون شخص لن ينفكّوا يعانون الجوع بحدود عام 2050، أي ما يناهز نحو 5 بالمائة من سكان البلدان النامية.
وطبقاً لأحدث تقديرات الأمم المتّحدة، سيرتفع عدد سكان العالم من 6.8 مليار نسمة اليوم إلى 9.1 مليار عام 2050 – أي ما يحتِّم إطعام ثلثٍ إضافي من البشريّة في ذاك الوقت مقارنةً بما هو الوضع حالياً – بل ويكاد مجموع هذا النمو السكاني بأسره يقتصر على البلدان النامية. وفي هذا الإطار، من المتوقَّع أن يسجّل النمو السكاني في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أسرع المعدلات (بنسبة 108 بالمائة، و بمقدار 910 مليون شخص)، بينما سيسجل إقليم جنوب آسيا وشرقها أبطأ المعدلات (بنسبة 11 بالمائة، وبمقدار 228 مليون نسمة).
وفي نحو العام 2050 سيُقيم 70 بالمائة من سكان العالم في المدن أو المناطق الحضريّة، أي فيما يفوق المعدل السائد اليوم بنسبة 49 بالمائة.
الطلب على الغذاء
من المنتظر أن يتواصَل نمو الطلب على الغذاء نتيجةً لكِلا النمو السكانيّ وارتفاع مستويات الدخل. ومن ذلك يُتوقَّع أن يبلغ الطلب على الحبوب لأغراض الغذاء البشري والعلف الحيواني 3 مليارات طنّ في حدود عام 2050، ولذا فإن الإنتاج السنوي من الحبوب يتعيَّن أن يزداد بنحو مليار طنّ (إذ يبلغ 2.1 مليار طنّ اليوم)، وكذلك أن يرتفع إنتاج اللحوم بأكثر من 200 مليون طنّ ليبلغ ما مجموعه 470 مليون طنّ عام 2050؛ في حين من المقدَّر أن يجري استهلاك 72 بالمائة من تلك الكميات لدى البلدان النامية مقارنةً بمعدل 58 بالمائة السائد اليوم من مجموع الاستهلاك العالمي للحوم.
وفي تلك الأثناء، فإن الطلب على إنتاج الوقود الحيوي يمكن أن يكثِّف الضغوط على السلع الزراعية حيث يتوقَّف ذلك على أسعار الطاقة والسياسات الحكومية.
الأراضي
بالرغم من أنّ 90 بالمائة من نمو الإنتاج المحصولي يُرجَّح أن يأتي من زيادة الغلّة والتكثيف المتزايد للإنتاج المحصولي، يظلّ من المتعيَّن في نفس الوقت توسعة رقعة الأراضي المخُصصة للزراعة بنحو 120 مليون هكتار لدى البلدان النامية، على الأكثر في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأمريكا اللاتينية. وحتى إن كانت رقعة الأراضي المخصصة للزراعة لدى البلدان الصناعية من المتوقّع أن تتقلّص بنحو 50 مليون هكتار، فقد يتغيَّر هذا الاتجاه بفعل الطلب الممكن على محاصيل الوقود الحيوي.
وعلى الصعيد العالمي الشامل لم تزل هنالك موارد كافية من الأراضي المتاحة لتلبية احتياجات سكان العالم إلى الغذاء مستقبلاً. غير أن المنظمة “فاو” تحذِّر، في جميع الأحوال من أن معظم الأراضي الممكن استخدامها تُلائم نمو بضعة محاصيل لا غير، وليست تلك بالضرورة المحاصيل التي يقع عليها أشد الطلب للاستهلاك…  فضلاً عن كونها متركّزةً لدى بلدانٍ قليلة.
كذلك، فإن معظم الأراضي قيد الاستخدام الجاري تقع تحت ضغوطٍ كيميائية وفيزيائية وتعاني من أمراضٍ متوطّنة فضلاً عن نقص البُنى التحتية، على نحوٍ لا يمكن معالجته بسهولة. ولذا فثمة حاجة إلى رصد استثماراتٍ ذات دلالة لتسخير القدرات الإنتاجية لتلك المساحات، عِلماً بأن جزءاً من مجموع تلك الرُقعة الكليّة تغطيهاالغابات، أو يتهددها زحف المستوطنات الحضرية البشرية الحثيث. وفي عددٍ من البلدان، على الأخص بإقليم الشرق الأدنى وشمال إفريقيا، وفي إقليم جنوب آسيا بَلغت رقعة الأراضي الممكن استزراعها نقطة التشبُّع لحدودها الطبيعية القُصوى أو تكاد.
المياه
حتى إن كان استهلاك المياه في الزراعة المروّية من المنتظر أن يتباطأ بالنظر إلى انخفاض معدل الطلب وارتفاع كفاءة الاستخدام، فلم يزل متوقَّعاً أن ينمو الطلب الكلي على المياه في القطاع الزراعي بالمقياس العالمي، بحدود 11 بالمائة عام 2050. وعلى المستوى النظري، تبدو موارد المياه العذبة كافيةً لكن توزيعها يظهر مُختلاً بشدّة بين مختلف المناطق وقد تبلغ نُدرة المياه مستويات الخطر لدى عددٍ متزايد من البلدان أو الأقاليم داخل البلدان، وخصوصاً في إقليم الشرق الأدنى وشمال إفريقيا، وفي منطقة جنوب آسيا. وعلى هذا الضوء يظهر استخدام كمياتٍ أقل من الماء لإنتاج كمياتٍ أكبر من الغذاء بوصفه مفتاح الحلّ لتجاوز مشكلات شَح الموارد المائية في تلك المناطق… علماً بأن نُدرة المياه قد تشتد حدةً مع تبدُّل أنماط الاستهطال بفعل ظاهرة تغيُّر المناخ.
إمكانيّات الغلة
في جميع الأحوال يبدو أن ثمة إمكانيات كامنة كبرى، وفقاً للمنظمة “الفاو”، لزيادة الغلال المحصوليّة تلبيةً لاحتياجات سكان العالم المتزايدين عدداً إلى الغذاء. وفي هذا السياق تُنبِّه المنظمة إلى “أنه إلى جانب اعتماد الحوافز الاقتصادية الاجتماعية الملائمة للإنتاج، فلسوف تظلّ هنالك ثغرات ‘يمكن سدّها’ بمقياس (زيادات) كميات الغلّة – أي الفوارق بين الغلال الفعلية، وتلك الممكنة أو الكامنة في ظلّ الظروف الزراعية الايكولوجية المُثلى.  أمّا المخاوف من أنّ تكون المحاصيل قد بلغت نقطة التشبُّع بحيث يتعذّر تجاوز الكميات الفعليّة، فلا تبدو مبرَّرة فيما عدا في حالة قلةٍ من الأمثلة الخاصّة”.
عدد جياعٍ أقل
في هذا الإطار تستحثّ المنظمة “الفاو” على تدخّلات أقوى لإحراز تقدّمٍ أسرع في جهود خفض أعداد الجياع والفقراء، وفي نهاية المطاف الوصول بهذه الأعداد إلى رقم الصفر. ولا بد أن يحظى الاستثمار في الزراعة بموقع الأولوّية القصوى، إذ أن الزراعة ليست مجرّد موردٍ للغذاء على أهميّته بل تُتيح أيضاً سُبل المعيشة والَدخل لسكان الريف.
بيد أن خفض الفقر  يقتضي أيضاً استثماراتٍ في البُنى التحتية الريفية من طرق، وموانئ، وطاقة، وشبكات للريّ ومستودعات للخزن، إلى جانب الاستثمار في بناء وتعزيز المؤسسات والبحوث وخدمات الإرشاد وحقوق الحيازة وصكوكها، وإدارة المُخاطَرة، والرعاية البيطرية، ونُظم سلامة الأغذية؛ ناهيك عن دعم الاستثمارات غير الزراعية بما في ذلك شبكات الضمان الغذائي الاجتماعية والتحويلات النقدية إلى أشدّ الفئات السكانية عَوزاً.
وتشير المنظمة “فاو” إلى أنه ما لم تَنصبّ الجهود على تطوير المناطق الريفية والاستثمار فيها لدى البلدان النامية، فالمقدّر أن تتواصَل أشكال الحرمان والاختلالات على نطاقٍ واسع لدى البلدان الفقيرة، ولو بوتيرةٍ أقل بكثير مما هي عليه اليوم.