الزراعة الحضريّة منهج يدعم الأمن الغذائيّ للأسر الفقيرة في غزّة

الزحف العمرانيّ ونقص المساحات الزراعيّة يدفعان بالمؤسّسات الزراعيّة العاملة في قطاع غزّة إلى تبنّي نهج الزراعة الحضريّة وشبه الحضريّة ضمن خططها الاستراتيجيّة لدعم الأمن الغذائيّ للأسر الفقيرة.

al-monitor

يناير 31, 2018

مدينة رفح – جنوب قطاع غزّة: فوق سطح مدرسة زهرة المدائن الثانويّة للبنات التابعة لوكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللاّجئين الفلسطينيّين في الشرق الأدنى – “الأونروا” بمدينة رفح، يقوم اتّحاد لجان العمل الزراعيّ بتنفيذ مشروع تجميع مياه الأمطار ليتمّ ربطها في براميل في باطن الأرض، ثمّ إعادة ضخّها لريّ الحدائق الجديدة التي يقوم الاتّحاد بإنشائها في المدرسة نفسها كمبادرة جديدة لتعزيز وعي الجيل الجديد على أهميّة استغلال مياه الأمطار والمساحات المدنيّة للإنتاج الزراعيّ. ويقوم الاتّحاد حالياً بتنفيذ المبادرة في 4 مدارس بمنطقة رفح، التي تعاني من أزمة شحّ مياه الشرب والمياه اللاّزمة للقطاع الزراعيّ.

وفكرة تجميع مياه الأمطار أو حصاد الأمطار على سطح المدارس، هي فكرة نوعية، وتعد من أهم الحلول المقترحة للإسهام في تخفيف أزمة المياه في قطاع غزة بشقيها الكمي والنوعي، وتعتمد على ثلاث أجزاء رئيسة هي: مكونات التجميع والفلترة، على الأسطح، ووحدات التخزين (البراميل) أسفل الأرض، ثم المضخة لضخ المياه من البراميل إلى المنزل أو الحديقة عبر أنابيب خاصة للاستخدامات المختلفة.

وعن فكرة المشروع، تحدّث لـ”المونيتور” المهندس المشرف على تنفيذ عدد من المشاريع في الاتّحاد غسّان أبو سعدة فقال: “تتوجّه المؤسّسات الدوليّة وسياسات المانحين نحو دعم مشاريع الزراعة الحضريّة وشبه الحضريّة في قطاع غزّة لاستغلال المساحات الحضريّة في إنتاج محاصيل خالية من المبيدات ومساعدة الأسر الفقيرة على تحقيق الاكتفاء الذاتيّ عبر إنتاج محاصيل آمنة للاستهلاك المنزليّ”.

إنّ الزراعة الحضريّة هي إنتاج المحاصيل وتربية الحيوانات في مساحات صغيرة تشمل قطع الأراضي الفارغة وحدائق المنازل الخلفيّة وشرفات المنازل داخل المدينة. أمّا الزراعة “شبه الحضريّة” فتعني المزارع شبه التجاريّة أو التجاريّة بالكامل القريبة من البلدات. ولذلك، فإنّ في مقدور الزراعة الحضريّة وشبه الحضريّة تقديم مساهمة كبيرة في الأمن الغذائيّ الأسريّ، خصوصاً في أوقات الأزمات وحالات نقص الأغذية. وتدعو منظّمة الأمم المتّحدة للغذاء والزراعة – “الفاو” إلى ادماج استراتيجيات التنمية والغذاء والتخطيط الحضري.

وإضافةَ إلى الحدائق في المدارس، يقوم الاتحاد بإنشاء حدائق منزلية لإنتاج الخضروات، مبيناً: “نعمل حاليّاً من خلال عدد من المشاريع على إنشاء حدائق منزليّة على مساحة 50 متراً في منطقة المواصي بمحافظة خانيونس بتمويل من مؤسّسة العمل ضدّ الجوع الدولية (مؤسسة فرنسية إنسانية دولية تعمل على توفير مجتمعات المحلية إمكانية الحصول على المياه المأمونة والحلول المستدامة)، وعلى مساحة 200 متر في مناطق أخرى ببيت لاهيا شمال القطاع بتمويل من المساعدات الشعبيّة النرويجيّة الدولية NPA (مؤسسة إنسانية دولية تعمل في مجال التنمية والإغاثة الطارئة)، حيث يتمّ التحضير لزراعتها بأصناف مختلفة من الخضار كي تساهم في تخفيف تكاليف الغذاء للأسر المهمّشة”.

وإضافة إلى إنشاء الحدائق، يقوم الاتّحاد بتدريب ربّات البيوت على زراعة الحديقة من دون أدوية وصيانتها حتّى تكون مشروعاً مستداماً وآمناً للأسرة. وبحسب غسّان أبو سعدة، تستهدف هذه المشاريع إنشاء الحدائق للأسر الفقيرة التي تمتلك مساحة بين 50 و200 متراً داخل فناء المنزل، وبالذات التي تترأسها نساء، حتى تشكل مصدراً مساعداً للدخل داخل المنزل.

وفي إطار توعية الجيل الجديد على هذا النهج، يقوم الاتّحاد بتدريب طلاّب المدارس، بتمويل من مؤسّسة overseas الإيطاليّة، على منهج الزراعة الحضريّة وشبه الحضريّة، عبر إنشاء النوادي البيئيّة في كلّ مدرسة.

وتم مأسسة “منهج الزراعة الحضرية وشبه الحضرية” عبر مؤسسة “منتدى الزراعة الحضرية وشبه الحضرية”، الذي أنشئ حديثاً في مدينة غزة، حيث يعمل المنتدى عبر برامج تدريبية، وأنشطة الدعم والمناصرة، على التأثير على المؤسسات المحلية لتعزيز إدراج هذا المنهج ضمن السياسات والاستراتيجيّات الرسميّة المحليّة لتبنّي برامج ومشاريع تدعم الزراعة الحضريّة.

ويعمل المنتدى بشكل مستقل، لكن خطته الرئيسية تعتمد على مشاريع يعمل المنتدى على جلب تمويل لها عبر التقدم بمقترحات هذه المشاريع لمؤسسات محلية ودولية.

وقال مؤسّس منتدى الزراعة الحضريّة وشبه الحضريّة في قطاع غزّة أحمد الصوراني لـ “المونيتور”: “انطلقت مبادرة منتدى غزّة للزارعة الحضريّة وشبه الحضريّة في عام 2013 كمبادرة من بعض الأفراد العاملين في المؤسّسات الزراعيّة بقطاع غزّة لتعزيز تبنّي هذا النهج في المؤسّسات الحكوميّة وغير الحكومية، والقائم على دعم وجود قطاع زراعيّ أكثر صموداً واستدامة داخل المدن”.

وقال: “حصل المنتدى على الترخيص الرسميّ للعمل في تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، وهو يضمّ حاليّاً أكثر من 100 مؤسّسة محليّة ودوليّة تعمل في مجال التنمية المحليّة بقطاع غزّة. وبعد مأسسته رسميّاً، يسعى المنتدى إلى التأثير في السياسات والبرامج الزراعيّة والاقتصاديّة الحكوميّة وغير الحكوميّة ومراجعتها، بما يخدم تنمية قطاع الزراعة الحضريّة وشبه الحضريّة”.

ولفت أحمد الصوراني إلى أنّ نحو 11 مؤسّسة دوليّة ومحليّة قامت بتبنّي منهج الزراعة الحضريّة وشبه الحضريّة ضمن استراتيجيّاتها السنويّة بدءاً من عام 2017، بعد سلسلة التدريبات والورش التي قام بها المنتدى.

من جهته، قال المدير العام لمؤسّسة اتّحاد لجان العمل الزراعيّ في قطاع غزّة محمّد البكري خلال مقابلة مع “المونيتور”: “نتيجة انحسار المساحات الزراعيّة بسبب التوسّع العمرانيّ وعدم وجود مناطق ريفيّة وتزايد أزمة المياه، بدأ الاتّحاد بالتوجّه نحو تعزيز استخدام منهج الزراعة الحضريّة وشبه الحضريّة في مشاريعه في القطاع منذ عام 2015، حتّى تمّ إدراجه ضمن خطّته الاستراتيجيّة السنويّة في عام 2017”.

أضاف: “الزراعة الحضريّة ليست فقط على الأسطح، بل تلزم باستغلال كلّ مساحة ممكنة للزراعة من أجل الحفاظ على الأمن الغذائيّ الذي يدقّ ناقوس الخطر في غزّة، إلى جانب توعية الناس على أهميّة هذا المنهج”.

وفي السياق ذاته، قال المدير العام للسياسات والتخطيط في وزارة الزراعة نبيل أبو شمالة لـ”المونيتور”: “تتّجه وزارة الزراعة بشكل واضح إلى تبنّي مناهج الزراعة الحضريّة وشبه الحضريّة ضمن خططها الاستراتيجيّة، وكان ذلك واضحاً في الخطّة الأخيرة للوزارة لعامي 2017-2019، فالظروف تجبرنا على ذلك، نتيجة انخفاض المساحات الزراعيّة والسيطرة الإسرائيليّة على 12 في المئة من مساحة الأراضي الزراعيّة المتركّزة قرب الحدود الفاصلة شرق قطاع غزّة”.

وأوضح نبيل أبو شمالة أنّ مفهوم الزراعة الحضريّة وشبه الحضريّة محسور في تفكير بعض المؤسّسات، لكنّه “يتجاوز فكرة الزراعة فوق أسطح المنازل والحدائق المنزليّة فهو منهج واسع، ولا بدّ أن يخضع للتخطيط المتكامل للاعتماد على المصادر البديلة، كاستخدام المياه المعالجة في الريّ لتجاوز أزمة المياه وتنفيذ مشاريع الحصاد المائيّ وإدخال تقنيّات جديدة في الزراعة”.

وتسعى مؤسّسات دوليّة ومحليّة أخرى في غزّة إلى نسخ تجارب إقليميّة ودوليّة لتعزيز صمود القطاع الزراعيّ، والأمن الغذائيّ المهدّد في قطاع غزّة، من خلال استخدام الموارد الحضريّة المتوافرة والمهملة والتي تمكّن أفراد المجتمع من الحصول على غذاء طازج وآمن وتسهم في توليد فرص عمل.

المقال الأصلي:https://www.al-monitor.com/pulse/ar/contents/articles/originals/2018/01/gaza-urban-agriculture-poor-food-self-sufficiency.html